حيدر حب الله
230
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
بات يشير إلى ما يشبهه عند المتأخّرين من الإماميّة تجاه من اتُّهموا في كلمات الرجاليّين القدامى - خاصّة ابن الغضائري والنجاشي وابن الوليد والصدوق ومدرسة قم - بالغلوّ وطعن فيهم لمواقف من هذا النوع . وذلك أنّ الأخذ بشهادة الشاهد بمجرّد أن يشهد بعناوين مثل العدالة والفسق ، سبّب في التجربة - على ما نظنّ - التباساً نتيجة وقوع الانقسام بين المسلمين في مفردات هذه العناوين والعناصر ذات التأثير فيها ، فأريد وضع معايير وضوابط تستطيع الانسجام مع الاختلاف الفكريّ والاجتهاديّ القائم . وعلى أيّة حال ، فقد انقسم الرأي هنا إلى عدّة اتجاهات أهمّها : الاتجاه الأوّل : وهو قبول الجرح والتعديل المطلق ، وهو الذي يرى عدم لزوم بيان السبب أو تقديم تفسير في حجيّة التعديل والجرح معاً ، وهو المحكيّ عن ابن حنبل وأبي حنيفة « 1 » ، وربما يظهر أنّه سيرة علماء الإماميّة في علم الرجال ، حيث لا يسألون عن السبب ، إلا في موارد خاصّة محدودة ، كما أشار إليه غير واحد « 2 » . ومعنى ذلك أنّه لو قال الرجالي : فلان ثقة أو فلان عدل أو فلان فاسق أو فلان كذاب ، كفى ذلك في الأخذ بقوله . يقول ابن قدامة : « . . قال أبو حنيفة : يقبل الجرح المطلق ، وهو أن يشهد أنّه فاسق أو أن ليس بعدل ، وعن أحمد مثله ؛ لأنّ التعديل يُسمع مطلقاً ، فكذلك الجرح ، ولأنّ التصريح بالسبب يجعل الجارح فاسقاً ، ويوجب عليه الحدّ في بعض الحالات ، وهو أن يشهد عليه بالزنا ، فيفضي الجرح إلى جرح الجارح وتبطيل شهادته ولا يتجرّح بها المجروح » « 3 » . والمستند في هذا القول هو إبطال أدلّة سائر الأقوال من جهة ، والاستناد - من جهة ثانية - إلى إطلاق أدلّة حجية إخبار الثقة أو البيّنة والشهادة ، وعدم وجود تفصيل فيها في هذا
--> ( 1 ) انظر : الطوسي ، الخلاف 6 : 220 . ( 2 ) انظر : عدّة الرجال 1 : 176 ؛ ورجال الخاقاني : 53 - 54 ؛ والصدر ، نهاية الدراية : 377 . ( 3 ) ابن قدامة ، المغني 11 : 424 .